الفن الرقمي بين مفهومي الصورة والتوثيق

يغيّر الفن الرقمي الطريقة التي نرى بها الفنون البصرية ونبتكرها. فهو يجمع بين التصوير الفوتوغرافي والتكنولوجيا، مما يسمح للفنانين بخلق أعمال جديدة ومبتكرة. باستخدام برامج متطورة، يمكن للفنانين تحويل الصور إلى أعمال رقمية معقدة تتجاوز الأساليب التقليدية. هذا التفاعل بين التكنولوجيا والفن يتيح للفنانين دمج مهاراتهم التقنية مع أفكارهم الإبداعية.
في عالم اليوم، أصبح الفن الرقمي مساحة يلتقي فيها العلم والتكنولوجيا والإبداع، مما يدفع نحو إعادة التفكير في طرق إنتاج الفن ويقدم وسائل جديدة للتواصل عبر أنماط تعبيرية تتراوح بين التجريد والواقعية.
تطور الفن الرقمي وتأثيره التكنولوجي على التعبير الفني
منذ الستينيات والسبعينيات، شهدت الفنون تطورًا كبيرًا بفضل التقنيات الجديدة. أتاحت الأدوات الرقمية للفنانين تجاوز الحدود التقليدية، مما أدى إلى ظهور أشكال جديدة تكسر القواعد القديمة. فقد ساعد التصوير الرقمي والتقنيات الحاسوبية الفنانين على إعادة تصور كيفية تصوير الواقع والأفكار المجردة.
أدى تطور التكنولوجيا الرقمية إلى منح الفنانين حرية واسعة في استكشاف الأدوات الجديدة مثل تعديل الصور، النمذجة ثلاثية الأبعاد، والذكاء الاصطناعي. تتيح هذه الأدوات دمج الأساليب التقليدية مثل الرسم والنحت مع العمليات الرقمية، مما يخلق أعمالًا لم يكن من الممكن تخيلها من قبل. كما أن الوسائط الرقمية تساعد الفنانين في تطوير لغة بصرية تعكس العالم المتغير والمترابط، مما يسمح لهم بمناقشة قضايا اجتماعية وسياسية هامة على نطاق عالمي.
الفن الرقمي كأداة ما بعد حداثية: دمج التقليدي بالرقمي
يرتبط الفن الرقمي بما بعد الحداثة، حيث تتلاشى الحدود بين المجالات المختلفة، مما يؤدي إلى ظهور أشكال فنية جديدة ومتغيرة باستمرار. من خلال الجمع بين الدقة العلمية والخيال الإبداعي، أصبح الفن الرقمي منصة للابتكار المستمر، إذ يغير الطريقة التي نتفاعل بها مع الوسائط البصرية، ويعكس الثقافة السريعة التغير في العصر الرقمي.
لم تعد الأدوات الرقمية تُستخدم فقط لإنتاج أعمال فنية رقمية بالكامل، بل أصبحت تُدمج مع الفنون التقليدية مثل الرسم والنحت والرسم اليدوي. ينتج عن هذا الدمج بين الأساليب القديمة والجديدة نوعٌ فريد من الفنون، يتحدى فهمنا للمواد والإبداع. على سبيل المثال، قد يرسم الفنان بالزيت ثم يستخدم البرامج الرقمية لتعزيز عمله، مما يخلق قطعة فنية تجمع بين التقليدي والحديث. من خلال هذه التقنيات، يتمكن الفنانون من تكريم الماضي واحتضان الإمكانيات اللانهائية للعصر الرقمي، مما يفتح آفاقًا جديدة للتعبير الإبداعي.
الفن والصراع: دور الفن في توثيق الصراعات وتمثيلها
على مر التاريخ، لعب الفن دورًا أساسيًا في توثيق الصراعات الاجتماعية والسياسية والثقافية. اليوم، تساعد الأدوات الرقمية الفنانين على استكشاف تعقيدات الحروب والثورات والسلطة بطرق جديدة، مما يتيح التعبير عن الجوانب العاطفية والنفسية للنزاعات، إلى جانب التأثيرات الاجتماعية والاقتصادية الأوسع.
يمنح الفن الرقمي أساليب جديدة لعرض واقع الصراعات والمعاناة الإنسانية. يمكن للفنانين الآن مزج الواقع بالخيال، مما ينتج أعمالًا تترك أثرًا عاطفيًا وفكريًا لدى الجمهور. من خلال استخدام عناصر مثل التصوير الرقمي والرسوم المتحركة والصوت، يخلق الفنانون تجارب غامرة توضح آثار الحرب والنزوح والمقاومة. على سبيل المثال، تستخدم الفنانة الفلسطينية لاريسا صنصور الفن الرقمي للتعبير عن النضالات السياسية في منطقتها، حيث تمزج بين الماضي والمستقبل لتحدي الأساليب التقليدية في تمثيل الصراع. كما يتيح الفن الرقمي للفنانين تجاوز الحدود الجغرافية، مما يمكنهم من إيصال رسالتهم عالميًا وخلق لغة تعاطف مشتركة.

الفن الرقمي في فلسطين: أفق جديد للتعبير الفني
في فلسطين، أصبح الفن الرقمي وسيلة لاستكشاف الهوية والنزوح والصراع. يستخدم فنانون مثل لاريسا صنصور، ليلى الشوا، وحازم حرب الأدوات الرقمية ليس فقط لتوثيق الحاضر، بل أيضًا لتخيل مستقبل جديد. تعكس أعمالهم التأثيرات المادية والنفسية للنزاع، مما يحوّل الفن الرقمي إلى مساحة للتعبير الشخصي والتصريح السياسي.
يدفع الفنانون الفلسطينيون حدود الإبداع من خلال دمج الرموز الثقافية التقليدية مع العناصر المستقبلية، مما يسمح لهم بالتأمل في الحاضر والمستقبل معًا. على سبيل المثال، تستخدم لاريسا صنصور التقنيات الرقمية لنقل المشاهدين إلى عوالم بديلة، حيث تتحول المناظر الطبيعية المألوفة إلى مشاهد متغيرة تعكس الصراعات السياسية وتآكل الهوية والتراث. يمنح الفن الرقمي هؤلاء الفنانين القدرة على إنشاء أعمال متعددة الطبقات تدفع الجمهور إلى التفكير العميق في قضايا الاحتلال والمقاومة والبقاء. وبهذا الشكل، أصبح الفن الرقمي في فلسطين أداة قوية للمقاومة الثقافية، متجاوزًا قيود الزمن والمكان والسياسة.
يُعيد الفن الرقمي تشكيل الطريقة التي ندرك بها الفنون ونبتكرها، مما يتيح إمكانيات غير محدودة للابتكار والتعبير. ومع تقدم التكنولوجيا، سيواصل الفنانون تجاوز الحدود الإبداعية، مستخدمين الوسائط الرقمية لتحدي المعايير التقليدية، والتفاعل مع الجماهير العالمية، واستكشاف أشكال جديدة من السرد البصري. بفضل قدرته الفريدة على مزج الخيال بالواقع، سيظل الفن الرقمي وسيطًا قويًا في تشكيل مستقبل التعبير الفني.
* جميع الصور في هذا المقال مقدمة من الكاتب/ة.
المصدر
(2) روبيرستون، جين، الفن في القرن 21، مجلة أكسفورد آرت اونلاين، https://www.oxfordartonline.com/page/1628
(3) صبرا، لودي سمير، إستيطيقيا (جمالية) الحرب في الفن المعاصر، مجلة أوراق ثقافية (مجلة الآداب والعلوم)، مجلة نصف فصلية محكمة، السنة الثالثة، العدد الرابع عشر، صيف 2021.
(4) كلاستير، بيار، وغوشيه، مارسيل، أصل العنف والدولة (ترجمة على حرب)، دار الحداثة، بيروت، 1985، ص 3
فاراجو، جيسون، ت. عبد الله سليمان، دور الفن في الحرب، مجلة حكة الثقافية، 2022.
https://hekmah.org/دور-الفن-في-الحروب/

عن الكاتبة
منذر جوابرة - رام الله
(1976-) فنان تشكيلي فلسطيني، ينحدر من قرية عراق المنشية المهجرة عام 1948، من مواليد مخيم العروب ويقيم ويعمل في مدينة بيت لحم. حاصل على شهادة البكالوريوس في الفنون من جامعة النجاح في نابلس عام 2001، والدبلوم العالي من جامعة القدس عام 2017. وشهادة الماجستير في الفنون من جامعة دار الكلمة بيت لحم عام 2024.