من فلسطين إلى العالم

منذ الأزل، والإنسان يسعى لتوثيق حياته؛ حتى يُخلّد اسمًا، أو فكرة، أو إنجازًا ليُعرَّف به الأجيال القادمة التي ستأتي بعده، أو حتى لمجرد نقل المعلومات ومشاركتها مع الآخرين. استخدم النقش والنحت والرسم وغيره، ثم اخترع الورق لكتابة لغات متعددة، ثم جاءت الكتب وأصبح بإمكانه توثيق تاريخه وأفكاره إلى أن وصل إلى عصر الصورة.
لحظة ثابتة من الزمن تُخطف بأداة يمكن حملها وتحريكها ونقلها بسهولة من مكان لآخر. هذه الأداة قد تطورت على مر العصور حتى أصبحت أصغر حجمًا من كف اليد. وفي عملية بسيطة من تجميع الضوء وانعكاسه داخل العدسة، تتولد الصورة بكل تفاصيلها تقنيًا. هذه هي الصورة منذ اختراع الكاميرا.
ولكن منذ أول صورة تم التقاطها، عرفنا أن القيمة الحقيقية فيها لا تكمن فقط في الجانب التقني أو الفني، بل تكمن في اللحظة أو العنصر الذي يتم توثيقه في هذه اللقطة التي تصبح من الماضي بمجرد حدوثها. جاءت الكاميرا لتعطينا الفرصة لإمكانية إلقاء نظرة على هذه اللحظات الزمنية التي انتهت لتخلد للأبد.
قوة السرد البصري من خلال الصور
في فلسطين، تمكنا من التعرف على الاختراعات العالمية، ومن ضمنها الكاميرا. ولكي نروي قصتنا، التقطنا العديد من الصور التي وثَّقت بلادنا بشتى جوانبها، بدءًا من الطبيعة الخلابة وصولًا إلى الشوارع الحيوية والمنازل والسيارات، وكذلك ثقافتنا وحتى ملابسنا الفلسطينية التقليدية. هذه الصور لها قيمة كبيرة في سرد تاريخنا ليتعرف العالم على فلسطين.
مع مرور الوقت، ومع الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، تغيرت طبيعة الصور التي نوثقها. لم نعد نلتقط فقط جوانب ثقافتنا وحياتنا اليومية، بل بدأنا في توثيق فقدان أراضينا ومعاناة شعبنا. أصبحت الرواية الفلسطينية رواية نضال ومقاومة.
لأكثر من سبعين عامًا، وجه المصورون عدساتهم نحو فلسطين. التقط المصورون الفلسطينيون والعرب والدوليون ملايين الصور التي توثق الأحداث الكبرى، وتنقل معاناة الفلسطينيين إلى العالم عبر الصحف والتلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي. بعض هذه الصور أصبحت أيقونية، مرتبطة بتاريخ فلسطين وهويتها.<br>
صور أيقونية من فلسطين اكتسبت شهرة عالمية واسعة
انتشرت العديد من الصور الفلسطينية عالميًا، لأنها تحمل قصصًا إنسانية وسياسية قوية. رؤية طفل يواجه دبابة، أو أب يحاول حماية ابنه، تترك تأثيرًا دائمًا. هذه الصور تكشف قسوة الحياة في فلسطين وتحرك مشاعر الناس في جميع أنحاء العالم.
- النكبة (1948)
من أكثر الصور تأثيرًا في تاريخ القضية الفلسطينية، سواء في الأجيال اللاحقة داخل فلسطين أو حتى في العالم. لحظات تهجير الفلسطينيين العزل من منازلهم، ونهب ممتلكاتهم، وإكراههم على الفرار من قراهم إلى أخرى خوفًا من وحشية العصابات الصهيونية بعد الجرائم التي ارتكبوها في القرى الأخرى. تلك الصور لا تزال تُنقل كل عام في ذكرى النكبة في المجلات والكتب والصحف والقنوات التلفزيونية، وحاليًا على مواقع التواصل الاجتماعي. وما يزال تأثيرها حاضرًا بقوة، إذ تروي قصصًا حقيقية حيث يحمل الفلسطينيون بعض أقلامهم وممتلكات بسيطة ويتركون وطنهم ومنازلهم مشيًا على الأقدام، بحثًا عن الأمان وبأمل كبير في العودة.
.jpeg)
- خطاب ياسر عرفات في الأمم المتحدة (1974)
"جئتُ أحمل غصن الزيتون الأخضر في يدي وفي الأخرى بندقية الثائر، فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي". في أول تمثيل سياسي فلسطيني حقيقي أمام العالم في مقر الأمم المتحدة، كانت تلك لحظة فارقة في تاريخ فلسطين تعبّر عن آمال ومطالب كل الفلسطينيين. انتشرت صورة ياسر عرفات أثناء إلقائه هذا الخطاب بشكل واسع في القنوات الإعلامية والصحف العالمية آنذاك، واستمر صداه حتى وقتنا الحاضر. وأصبحت أيقونة تربط اسم فلسطين بـ "ياسر عرفات" الذي أصبح لاحقًا رمزًا للقضية لسنوات طويلة.
.jpeg)
- انتفاضة الحجارة (1987)
تمتلئ ذاكرة فلسطين بالأحداث والمحطات في تاريخ صراعها مع الاحتلال. ومن أبرز هذه المحطات كانت انتفاضة الحجارة التي واجه فيها الشعب الفلسطيني في كل المناطق وكل الأعمار أسلحة المحتل بالحجارة. كانت ثورة في وجه جيش الاحتلال، وقوة الحجر هذه المرة وصلت للعالم بأكمله. شعب أعزل يدافع عن أرضه ويقاوم من أجل الحرية، عجز جيش الاحتلال عن إيقاف هذا الزحف، فاستخدم القوة المفرطة في محاولة لصدهم. واستهدف الأطفال والشبان وحتى الصحفيين لمنعهم من توثيق الأحداث ولمنع وصول هذه الجرائم للعالم. ولعل أشهر الصور وأكثرها تأثيرًا في تلك الفترة هي صورة جندي إسرائيلي يحاول منع أحد المصورين الصحفيين ويبعده عن الكاميرا ويضربه لمنعه من أداء عمله.
.jpeg)
- فارس عودة - أيقونة الانتفاضة الثانية (2000)
في 29 أكتوبر من العام 2000، أثناء الانتفاضة الثانية، لم يتحمل فتى فلسطيني مشاهدة منزله وقد تعرض لقذيفة من دبابة. لم يستطع رؤية الجنود الذين اقتربوا منه بعتادهم وأسلحتهم، يهدمون منزله ويقتلون عائلته وأصدقائه ويدمرون وطنه. لم يخف وقرر أن يواجه هذه الدبابة العملاقة بحجر بسيط. لتصبح هذه الصورة بعد ذلك رمزًا وأيقونة للمقاومة الشعبية السلمية ولمعارضة الاحتلال. فاجأ العالم بجرأة الفلسطينيين حتى أطفالهم في الدفاع عن أرضهم. وبعد عشرة أيام في 8 نوفمبر، كان فارس عودة قد رشق الحجارة مرة أخرى في معبر المنطار، حيث أطلق جنود الاحتلال النار عليه في عنقه.
.jpeg)
- وفاة محمد الدرة (2000)
يعتبر هذا المشهد واحدًا من أكثر المشاهد المؤثرة المتعلقة بالقضية الفلسطينية، حيث اكتسب شهرة غير مسبوقة على مستوى العالم. يصور المشهد احتماء جمال الدرة وابنه محمد، البالغ من العمر اثني عشر عامًا، خلف برميل إسمنتي بعد وقوعهما وسط محاولات تبادل إطلاق النار بين الجنود الإسرائيليين وقوات الأمن الفلسطينية. يتضمن المشهد أيضًا احتضان الأب لابنه والصراخ اليائس للصبي، وإشارة الأب لمطلقي النيران بالتوقف، وذلك وسط إطلاق وابل من النار والغبار. تم توثيق هذه اللقطة بواسطة فيديو استمر لأكثر من دقيقة، وفي نهاية المطاف ارتقى الصبي على ساقي أبيه مستشهدًا. هذه الجريمة أثرت بشكل كبير على الرأي العام الدولي وشغلته لعدة أسابيع.
.jpeg)
- حرب غزة (2014)
بعد انسحاب الاحتلال من قطاع غزة، لم يعش الفلسطينيون هناك في سلام، بل عانوا من بطش الاحتلال في عدة جولات عسكرية على مر السنوات. بدأ الاحتلال جولاته وعملياته العسكرية تجاه قطاع غزة في عام 2008، وتبعتها جولة أخرى في عام 2012، وصولًا إلى الجولة الأطول والأعنف في عام 2014، التي استمرت لمدة 51 يومًا من العذاب لسكان المدينة. في هذه الجولة، قام الاحتلال بحرق المزروعات، وتدمير الممتلكات والبنية التحتية، وقتل المئات من المدنيين وجرح الآلاف. تم ارتكاب العديد من جرائم الحرب، واستخدام أسلحة جديدة بما في ذلك الفوسفور الأبيض المحرم دوليًا. قصفت العائلات فاضطرت للهروب من المنازل إلى المدارس وجعلوها مأوى لهم، ولكن الاحتلال قصفها بالفسفور الأبيض الحارق والمدمر. هذه الصور وصلت إلى العالم وزادت من الضغط الدولي لوقف هذه العمليات العسكرية الدموية.
.jpeg)
- عهد التميمي - رمز الصمود في مواجهة الاحتلال
في مسيرة سلمية ضد الاستيطان، خرجت طفلة مع والدتها وانضمت إلى المتظاهرين. تعرضت المجموعة لهجوم من قبل جنود الاحتلال، ولكن الطفلة لم تخف ولم تتردد في التعبير عن غضبها. صرخت بقوة في وجه مجموعة جنود الجيش الإسرائيلي بردة فعل عفوية وجريئة. هذه اللقطة أصبحت مشهورة حول العالم في الصباح التالي. جرأة الطفلة وتحديها للجنود أثرت بشكل كبير في المجتمع الدولي، مما أعاد للأذهان اللقطات السابقة للأطفال الفلسطينيين الذين ينشأون مؤمنين بقضيتهم منذ الصغر. بعد ذلك، أصبحت من بين أصغر النشطاء السياسيين المؤثرين على مستوى العالم.

- مسيرات العودة في غزة - 30 مارس 2018
في الذكرى الثانية والأربعين لـ "يوم الأرض" الفلسطيني، شهدنا انطلاق مظاهرات سلمية في جميع أنحاء فلسطين إحياءً لهذه الذكرى. ومن بين هذه المظاهرات، برزت تلك التي نُظمت في قطاع غزة على الحدود مع الأراضي المحتلة، حيث انطلق آلاف الشبان والعائلات الذين رفعوا علم فلسطين وأشعلوا الإطارات احتجاجًا على الاحتلال. ردًا على هذه المظاهرات، قام جنود الجيش الإسرائيلي بإطلاق النار ناحية المتظاهرين، مما أسفر عن مقتل 16 فلسطينيًا وإصابة آخرين.
استمرت هذه المظاهرات والاحتجاجات لعدة شهور، خلالها فُقد العشرات من الأرواح وأُصيب الآلاف. تداولت وسائل الإعلام العالمية العديد من اللقطات التي رصدت هذه الأحداث بشكل سريع، وكشفت عن القصص المؤثرة والإنسانية، لعل أبرزها قصة الممرضة المتطوعة رزان النجار التي استشهدت أثناء مساعدتها للجرحى برصاصة قناص إسرائيلي، والمصور الصحفي ياسر مرتجى الذي فقد حياته أثناء توثيقه للأحداث بمهنية، وهو يحمل كاميرته ويرتدي زيه الرسمي. ومع ذلك، كانت إحدى اللقطات التي أثرت بشكل خاص على الرأي العام الدولي، صورة شاب فلسطيني يحمل علم فلسطين ويرمي حجرًا ناحية الجيش وخلفه الدخان الأسود الذي انبعث من اشتعال الإطارات. هذه الصورة أصبحت أيقونة تمثل قوة وإصرار المظاهرات الفلسطينية، وانتشرت بسرعة في جميع أنحاء العالم من خلال وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.
.jpeg)
- حي الشيخ جراح (2021)
وعلى إثر إصدار المحاكم الإسرائيلية قرار إخلاء نحو 32 منزلًا يعود لعائلات فلسطينية في حي الشيخ جراح، شهدنا اشتداد التوتر بين السكان والمستوطنين، الأمر الذي دفع القوات الإسرائيلية إلى فرض إغلاق كامل على الجزء الغربي من الحي وتحويله إلى ثكنة عسكرية. سرعان ما تحول هذا الحدث إلى قضية دولية شغلت الرأي العام العالمي، حيث احتلت صدارة الصحف والقنوات الإخبارية ومنصات التواصل الاجتماعي. وقف عدد من السكان والنشطاء بشجب هذا الإجراء الإسرائيلي، ومن بينهم عائلة الكرد، حيث برزت منى الكرد وشقيقها محمد الكرد كوجوه رئيسية في تحديهم لتهجير السكان الفلسطينيين من منازلهم. تطور هذا الحدث إلى نقطة تصاعد بين الفصائل المسلحة في قطاع غزة والجيش الإسرائيلي، مما أدى إلى اندلاع عملية عسكرية استمرت لمدة 11 يومًا، تدخلت الولايات المتحدة الأمريكية ومصر والأمم المتحدة لوقف هذه المواجهة العسكرية. أحد أبرز اللقطات التي تجسد هذا الحدث وانتشرت على الصعيدين المحلي والدولي هي صورة نبيل الكرد وهو يقف بجانب جدار منزله المكتوب عليه "لن نرحل".
.jpeg)
- مقتل شيرين أبو عاقلة (2022)
صحافية مخضرمة، واحدة من أوائل الشخصيات التي ظهرت على شاشة قناة "الجزيرة"، اشتهرت بجرأتها ومعرفتها العميقة بالقضية الفلسطينية، وكانت تغطي معظم الأحداث والمواجهات على مدى العقدين الماضيين مما جعلها واحدة من أشهر الصحفيين العرب. في مقاطع الفيديو التي عُرضت على قناة "الجزيرة" أو تم تداولها على منصات التواصل الاجتماعي، ظهر صحفيون مصدومون ومترددون بالقرب من جثة شيرين التي كانت ترتدي سترة واقية من الرصاص مكتوب عليها "إعلام" بالإنكليزية، وكانت تضع خوذة على رأسها. اغتيالها، وفقًا للتقارير التي نشرتها "الجزيرة"، كانت صدمة للعالم، مما جعل لقطة استشهادها تتصدر العناوين العالمية ومنصات التواصل الاجتماعي. أصبحت شيرين أيقونة فلسطينية قُتلت بوحشية على يد جيش الاحتلال بسبب تغطيتها لجرائمه على مدى سنوات عديدة، وأصبحت بذلك رمزًا آخر للصمود والمقاومة الفلسطينية.
.jpeg)
فلسطين بلا حرب
تُعد اللقطات التي تمثل رموزًا مرتبطة بصورة فلسطين مصدر فخر للفلسطينيين في جميع أنحاء العالم، وتعبيرًا عن استمراريتهم في مواجهة التحديات. ومع ذلك، يجب أن نتذكر دائمًا أن فلسطين هي أكثر من صور الصراع والحروب. إنها بلاد حيوية تعج بالثقافات المتنوعة والتراث العريق، وتتميز بعمارتها القديمة الرائعة وعاداتها الاجتماعية الغنية، وقصص البطولة اليومية لأبنائها في مختلف المجالات. بالرغم من الصور النمطية المرتبطة بالاحتلال والدمار، يجب علينا أن نتساءل: هل يُعد هذا النمط التكراري هو الوحيد الذي يجذب الاهتمام ويُحرّك التعاطف العالمي؟ ومتى سنرى فلسطين تمثل بصور أيقونية تتعدى مواضيع الحروب والمقاومة؟ والأهم، متى سنراها تُظهر كبلد وليست مجرد قضية؟
* جميع الصور في هذا المقال مقدمة من الكاتب/ة.